ابن العربي
876
أحكام القرآن
المسألة الثالثة - أما قول من قال إنها منسوخة بقوله « 1 » : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ - فدعوى ، فإن شروط النسخ معدومة فيها ، كما بيناه في موضعه . وأما من قال : إن دعوك إلى الصلح فأجبهم فإن ذلك يختلف الجواب فيه ؛ وقد قال اللّه « 2 » : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ . فإذا كان المسلمون على عزّة ، وفي قوة ومنعة ، ومقانب « 3 » عديدة ، وعدّة شديدة « 4 » : فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا * وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به ، أو ضرّ يندفع بسببه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه ، وأن يجيبوا إذا دعوا إليه وقد صالح النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها ، فنقض صلحهم ، وقد وادع الضّمري « 5 » ، وقد صالح أكيدر دومة ، وأهل نجران ، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده ، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة ، وبالوجوه التي شرحناها عاملة . المسألة الرابعة - عقد الصلح ليس بلازم للمسلمين ، وإنما هو جائز باتفاقهم أجمعين ؛ إذ يجوز من غير خلاف للإمام أن يبعث إليهم ، فيقول : نبذت إليكم عهدكم ، فخذوا منى حذركم ، وهذا عندي إذا كانوا هم الذين طلبوه ؛ فإن طلبه المسلمون لمدة لم يجز تركه قبلها إلا باتفاق . المسألة الخامسة - ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو ، والأصل في ذلك موادعة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لعيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب ، على أن يعطيه نصف تمر المدينة ، فقال له السّعدان « 6 » : يا رسول اللّه ؛ إن كان هذا الأمر من قبل اللّه فامض له ، وإن كان أمرا لم تؤمر به ولك فيه هوى فسمع وطاعة ، وإن كان هذا الرأي والمكيدة ، فأعلمنا به .
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية 5 . ( 2 ) سورة محمد ، آية 35 ( 3 ) في ل : وضغائن . والمقانب : جمع مقنب ، والمقنب من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين وقيل : هي دون المائة . ( 4 ) والقرطبي : 8 - 40 . ( 5 ) كان هذا في غزوة الأبواء . ( 6 ) هما سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة .